محمد جمال الدين القاسمي
185
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الشافعيّ بأن قريشا ومن يليها من العرب كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون إلى أمير . فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر ، والانقياد له إذا بعثهم في السرايا ، وإذا ولاهم البلاد . فلا يخرجوا عليهم ولا يمتنعوا عليهم ، لئلا تفترق الكلمة . ولذلك قال « 1 » صلى اللّه عليه وسلم : « من أطاع أميري فقد أطاعني » . متفق عليه . وفي البخاريّ « 2 » عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : نزلت في عبد اللّه بن حذافة بن قيس بن عديّ إذ بعثه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في سرية . قال ابن كثير : وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة وقال الترمذيّ : حديث حسن غريب . ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج . وروى الطبريّ « 3 » عن السدّيّ أنها نزلت في قصة جرت لعمار بن ياسر مع خالد ابن الوليد . وكان خالد أميرا . فأجار عمار رجلا بغير أمره . فتخاصما وارتفعا إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأحكام ، 1 - باب قول الله تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ، حديث 1409 ونصه : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال « من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله . ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصى أميري فقد عصاني » . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 11 - باب قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ، حديث 1991 . ( 3 ) الأثر 9861 ونصه : حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدّي : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قال : بعث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سرّية عليها خالد بن الوليد ، وفيها عمار بن ياسر . فساروا قبل القوم الذين يريدون . فلما بلغوا قريبا منهم عرّسوا . وأتاهم ذو العيينتين ( الجاسوس ) فأخبرهم فأصبحوا قد هربوا . غير رجل أمر أهله فجمعوا متاعهم ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد . فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال : يا أبا اليقظان ! إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله . وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا ، وإني بقيت . فهل إسلامي نافعي غدا ، وإلا هربت ؟ قال عمار : بل هو ينفعك فأقم . فأقام . فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدا غير الرجل . فأخذه وأخذ ماله . فبلغ عمارا الخبر . فأتى خالدا فقال : خلّ عن الرجل فإنه قد أسلم ، وهو في أمان مني . فقال خالد : وفيم أنت تجير ؟ فاستبّا وارتفعا إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فأجاز أمان عمار ، ونهاه أن يجير الثانية على أمير . فاستبا عند رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال خالد : يا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ! أتترك هذا العبد الأجدع يسبني ؟ فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « يا خالد ! لا تسب عمارا فإنه من سب عمارا سبه الله . ومن أبغض عمارا أبغضه الله . ومن لعن عمارا لعنه الله » . فغضب عمار فقام . فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه ، فرضي عنه . فأنزل الله تعالى قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ .